محمد أبو زهرة
1262
زهرة التفاسير
ولكن مع هذا الظاهر روى ابن إسحاق عن ابن عباس أنه قال : اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت الأحبار : ما كان إبراهيم إلا يهوديا ، وقالت النصارى : ما كان إبراهيم إلا نصرانيا ، فأنزل اللّه تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ الآية « 1 » . وسواء أكانت المحاجة مع النبي صلى اللّه عليه وسلم أم كانت فيما بينهم فإنها غير معقولة في ذاتها ؛ ولذا وبخهم سبحانه وتعالى عليها بقوله تعالت كلماته : أَ فَلا تَعْقِلُونَ هذا النص الكريم هو نتيجة لهذا الحكم الذي يتحاجون فيه ، وهو كون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا ؛ إذ أن ذلك هو حكم من لا يعقل ؛ ولذلك كانت الفاء التي تفيد السببية ، وهو كون ما قبلها سببا لما بعدها ، فتلك الحال التي هم عليها من الغرابة هي السبب في ذلك السؤال عن أصل عقلهم ، وإدراكهم لمعناها . والاستفهام إنكاري ؛ فهو نفى لكونهم يعقلون في هذه الأمور التي يتجادلون حولها ، وذلك يؤدى إلى السؤال عن أصل وجود العقل عندهم ، وإن هذا النفي هو في ذاته توبيخ ، وتنبيه إلى ما أدى إليه التعصب الأعمى الذي جعلهم لا يدركون الأمور على وجهها ، وينسيهم البدهيات التي لا تختلف فيها المدارك والعقول ، حتى يكون أصل العقل عندهم موضع إنكار . ولقد زكّى سبحانه وتعالى ذلك التوبيخ ، وهذا النفي ببيان مظهر آخر من مظاهر مخالفتهم لما يقتضيه العقل في أمر آخر ، يتصل بهذه المسألة ، وهو أنهم يجادلون ويتقدمون بالحجج في أمر ليس عندهم أصل العلم به ؛ ولذا قال تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ : أي أنتم معشر أهل الكتاب حاججتم وبادلتم الحجة ، سواء أكانت داحضة أم دامغة في أمر عندكم أسباب العلم به ، سواء أكنتم تجادلون بمقتضى هذا العلم أم
--> ( 1 ) أخرجه البيهقي في الدلائل - أسباب النزول للسيوطي : آل عمران ( 65 ) .